كي لا تكون مساجدنا مراكز الفيروس

كي لا تكون مساجدنا مراكز الفيروس[1]

إعداد/ إسماعيل عبد القادر

باحث بمعهد الدعوة الإسلامية ومدير مركز الهدى

لتعليم المتون العلمية واللغة العربية – منا،  ولاية نيجر

توطئة

ليس الخوف والقلق من حاضرنا وإنما الخوف من المستقبل القريب. يتضح هذا لمن فهم وتدبّر حال الأمم المصابة بالأوبئة والآثار التي خلفت فيها، فإن فيها عظة وعبر لأولي الألباب.

فالشر ليس كامن في الوباء نفسه وإنما الشر في آثار يخلفه من قلق واضطرابات وموت المائات بل الآلاف من العشائر والقبائل واضطراب في الاقتصاد والذي يؤدي أولا إلى المجاعة ثم الموت. فإنه إذا تعطلت المدارس والمعاهد لفترة طويلة وأغلقت المراكز وتوقفت موارد اقتصاد الدول والبلاد أنّى للحكومات والمصانع والشركات أن تدفع رواتب عُمّالها وأجَر أُجَرائها. وأنّى للعيس أن يستمر. وكيف لا تضطرب الأمور وتكثر السرقة والنهب والقتل! قد حصل هذا في الماضي للصالحين والطالحين وليس بخيال ولا بأضغاث أحلام.

قد بدأت الفاقة تشرئبّ أعناقها إذ من تلك الدول المصابة بفيروس كورونا شركات ومصانع صرحت بامتناعها عن دفع رواتب عُمالها ومنها من وعد بدفع نصف رواتب حتى تتحسن الأمور وتستقيم. هذا واقع في الدول الكبرى أو “المتقدمة” فماذا يرجى إن وصلت حال دولتنا نيجيريا إلى ما وصلت إليه حال هؤلاء ودولتنا عُرفت بما عُرفت من تخلف في نواحي الحياة وظلم وفقر وعدم العناية بالفقراء والمساكين وهم الذين يمثلون الأغلبة الساحقة؟!

فمن قدّر الله أن يشاهد الحروب ويعاين آثارها أو لم يشاهدها لكن تأملها لا يتوقع نشوبها أبدا بل يفعل كل ممكن لإطفاء نارها كلما رآها تهج وكلما رأى أعناقها تشرئب. فليس الوباء كالحرب لكنهما يشتركان في الآثار المترتّبة عليهما إلى حد كبير؛ فكما أن الحرب تؤدي إلى موت الآلاف واضطراب الأمور والقلق والمجاعة فالوباء يخلف هذه الآثار أيضا بل آثارها تكون أضعاف آثار الحروب من حيث ضحاياه أحيانا. فمن أراد أن يفهم كيف حوّلت الطواعين والأوبية بعض الديار إلى خراب وبعض البلاد والقرى إلى ضحاري وكيف لم يبقي في بعض البلاد صالحا ولا طالحا وما إلى ذلك فليقرأ بعض فقرات من البداية والنهاية لابن كثير والمدهش لابن الجوزي وبذل الماعون في فضل الطاعون لابن حجر العسقلاني وقصة العدو اللدود على مرّ الأزمان والعهود لأبي فريحان. فمن هذا المنظار أرجوا أن ننظر إلى ما نعاني منه الآن في ديارنا فإن تجربة الأمم الغابرة القريبة والبعيدة خير شاهد على ما أقول.

كي لا يكون حسابنا عسيرا بتصرفنا وتباطئنا

كيف يأمن إمام أو خطيب أو داعية عقاب الله إذا تسّرب الفيروس إلى المساجد لقصوره؟ وكيف يقف أمام الله عز وجل يوم القيامة إن أصبحت المساجد للفيروس مراكز نتيجة سكوته أو قصوره؟ “فكلكم راع ومسؤول عن رعيته” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وإنه “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (سورة المائدة: الآية:32). فإن من تأمل عقوبات قاتل النفس في شريعتنا وتدبّر الديات والكفارات اللازمة لمن لم يقتل إلا خطأ، يدرك عظم النفس وأنها كلية كبرى يجب الحفاظ عليها في الدين دون توان. فبحفظها يتحقق حفظ الدين وإن قُدّم الدين عليها في الترتيب عند أهل الصنعة والعقول  

فالمتأمل لموقف ولاة أمورنا (أو بعضهم) والمتابع للأخبار والأمور الجارية حول فيروس كورونا يتألّم ويتأسّف  لما يرى من قصور وتوان في محاربتهم لفيروس كورونا رغم تصريح رئيس المركز النيجيري لضبط الأوبئة والأمراض قبل أيام أننا سنشاهد ازديادا كبيرا في عدد المصابين بكورونا في هذه الأيام غير أنهم يسعون سعيا حثيثا للقضاء عليه. كما أنه صرّح أن كورونا في داخلنا.

ولم أر في عيوب الناس عيبا  ** كنقص القادرين على تمام.

نعم، أخذوا بالطرق الوقائية كمنع الناس من أداء الجمعة وحضور الكنائس لمصلحة العوام ومنعوا الناس من الخروج في حدود ساعات معينة لمنع تفشي الوباء لكن في نفس الوقت لم يمنعوا الأسفار بين الولايات المصابة وغيرها، والأسواق أصبحت أكثر ازدحامة ونظام الجلوس في السيارات العامة لم يزل كما عرف وهكذا. فهل في هذا الصنيع محاربة للفيروس حقا؟! هذا محزن غير أن الأشد من ذلك موقف بعض المسلمين بما فيهم العلماء والدعاة بل الكثير منهم إزاء هذا الأمر حيث أنهم رضوا بقرار إغلاق المساجد للجمعة لكننا مازلنا نقول بلساني الحال والمقال: إن هذا القرار عقوبة فرضتها علينا الحكومة لا لمصلحة راجحة! فقد وُجد منا من أراد فتح المساجد وإقامة الجمعة في الأسبوع الماضي محتجا على الحكومة أنه لم يسجل في ولايته أيّ إصابة بعدُ وقد غفل عن بعض الحقائق التالية:

أ. الاحصائيات التي تعطى أن في الولاية كذا إصابة وليست في ولاية كذا إصابة لا تعبّر عن الحقيقة بدليل أن أكثر الولايات لا تملك فاحصا أو آلة التي يجرى به فحص فيروس كورونا مما جعل بعضهم يرسلون الناس إلى المدينة المجاورة لإجراء الفحص. وهذا المرسَل يسافر ويظل مخالطا للناس أثناء سفره مع الاحتمال أنه حامل للفيروس.

ب. مازال الناس يسافرون من بلاد فيها إصابات إلى بلاد لم تسجل لها إصابة أو لم يكتشف فيها  شيئ بعد.

ج. ثبت قبل يوم أو يومين أن ستّ من المتهمين ممّن فرض عليهم الحجر الصحي قد فروا من المركز والحكومة مازالت في طلبهم. أقول: حتى لو وجد هؤلاء ففيه الاحتمال أنهم قد خالطوا بعض الناس. وهذا مقلق.

د. أثبتّ في مقالتي الثانية[2] أنه في بداية الأمر حكي أن بعض الناس ذهب إلى إحدى المستشفيات لماّ ظهر عليه بعض العلامات  لكنه لم يُعطى عناية فرجع إلى بيته. فإن كان حاملا للفيروس فلا شك أنه يكون قد خالط العشرات وخالط من خالطه العشرات، فلا يدرى من يحمل الفيروس ممن لا يحمل. ومثل هذا الخبر ونظاهرها كثيرة.

بعد هذا، هل يمكن الجزم  بالقول بأن ولاية كذا خالية من فيروس؟

هذا فيمن يعتقد أن منع الناس من الجمعة لا مبرّر له. أما الذين رضوا بالقرار الحكومي الصارم بإغلاق المساجد خوفا من انتشار الوباء فما زالوا  – أو أقول مازلنا- نصلي الرواتب كالعادة والدروس عقب بعض الصلوات مستمرة في مساجدنا حتى في البلدان التي فيها إصابات. الصلوات الخمسة جارية ودورات مياه المساجد على نظامها حيث يشترك الناس في الأباريق والأوعية التي تصب بها الماء والصفوف في الصلاة متراصة والمناكب والأقدام متلاصقة. وليس أمام المساجد صوابين ولامياه تغسل بها الأيدي ولا وجدت معقمات، وعدد مراودي بعض المساجد يربوا على خمسين أو أكثر. فهذا في نظري من مضحكات الأمور لمن يعتقد أنه يحارب الوباء أو الطاعون. فكأننا رضينا أن نغلق المساجد أمام الفيروس يوما في الأسبوع ونفتحها خمس مرات يوميا لستة أيام متتابعات!

نظرتي في الأمر:

أرى أن أمامنا رأيين في هذا الأمر إن كنا صادقين في محاولاتنا لمحاربة هذا الوباء:

أولا: فتح المساجد لصلوات الخمسة مع الأخذ بالاحترازات التالية والالتزام بها في جميع الصلوات وهي كالآتي:

أ. منع المصلين من دخول ساحة المسجد حتى يغسلوا أيديهم أو يمسحها بمعقمات

ب. عدم فتح دورات المياء في المساجد ومطالبة المصلين بأن يتوضؤوا في بيوتهم. فإن من منافذ الفيروس دورات المياء والاشتراك في الأباريق والأوعية والوضوء.

ج. تجنب التجانس وإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب عملا بالاستحسان. فإن الصلاة لا تبطل بالتباعد عند جماهير العلماء وإنما يأثم الإنسان بالاخلال به في الحالة العادية. ونحن في حال الضررورة أوالحاجة الملحة “والضرورات تبيح المحظورات”.

د. عدم السماح لمن ظهر عليه علامات معينة بحضور المساجد حتى يشفى

هـ. نصح العجائر والأطفال بالصلاة في بيوتهم

و. منع المصافحة بين المصلين والاكتفاء بتحية السلام

ز. النصح باستخدام غطاء الأنف والفم

إن قدرنا على الالتزام بهذه الأمور نكون قد أخذنا بالوقايات اللازمة ولا أعتقد أن أحدا يقترح قرار الإغلاق الكلي  علينا. وهذا يرجى أن يكون ناجحا بإذن الله في الأماكن التي لم تسجل لها إصابات بعد.

ثانيا: أن تغلق المساجد فلا يصلى فيها الجماعات في هذه الفترة الحرجةسدّا للذريعة. أو يرفع فيها الأذان ويؤدي الصلوات الخمسة فيها الأئمة والمؤذنون فقط حفاظا وتعظيما لشعائر الله “ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ” (سورة الحج: الآية:32) كما أفتى بذلك جماهير العلماء الذين قالوا بإيقاف الجمعة والجماعات في مثل هذا الوقت

سد الذريعة أصل ثابت من أصول الشريعة الإسلامية

إن سد الذريعة هو إغلاق نافذرة يمكن أن يدخل منها شر أو مفسدة أو مكروه أو منع ما هو حلال أو مباح في الأصل إن تحقق أنه يفدي إلى الحرام. فهذا أصل ثابت في الإسلام حتى  قال ابن قيم رحمه الله أن باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف في الإسلام[3]. فعليه ينبغي اعتبار هذا الأصل من بين الأصول الشرعية الأخرى دون قصور أو تباطئ.

نصائح للعلماء وأئمة الهدى ومصابيح الدجى:

– على العلماء والأئمة والدعاة أن يبذلوا كل ما يملكوا في هذا الأمر حتى يشهد الله أنهم ليسوا عونا في انتشار هذا الوباء وإن مات بسببه المليار وهلكت بسبب الديار. فإن في ذالك أداء الأمانة وتبرئة الذمة

– على علمائنا وأئمتنا ودعاتنا المبادرة إلى اتخاذ قرار مناسب في الوقت المناسب دون تراخ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة محرم. فانتظار الحكومة حتى تملي علينا ما تملي فيما نفعل في كل صغير وكبير مذموم 

– على علمائنا وأئمتنا ودعاتنا المبادرة بفعل المطلوب دون اتنظار قرار الجهلة الفلانية ما علم أن في ذلك صلاح العباد والبلاد. فالعلماء ورثة الأنبياء. وليعلموا أنهم ليسوا كالعوام وسأنهم لا يقل عن شأن الحكام فإن الله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمور في القرآن في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ…” (سورة النساء: الآية: 59) ولاة الأمور هم العلماء والحكام على حد قول بعض المفسرين

– فليكونوا للحكام ناصحين ومرشدين قبلوا منهم أم لم يقبلوا. ” فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ…” (الشورى: الآية:48)

“وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ” (سورة هود، الآية: 88)

أسال الله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم أن يكفّنا شر هذا الوباء فإنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

وصلى الله وسلم على رسولنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم البعث والدين.

تحريرا:

12 شعبان، 1441هـ الموافق (6 إبريل، 2020م)

ismailbnkad@gmail.com

Download the full ebook here

https://dawahinstitute.org/wp-content/uploads/كي-لا-تكون-مسلجدنا-للفيروس-مراكز.pdf


[1]  تنبيه:

  • إنها كلمات مسطورة لمن فهم حقيقة فيوروس كورونا وفهم طبيعته وطرق انتشاره وتجربة العام في هذا الأمر، لا لمن جهل هذه الحقيقة وإن خاض في الحديث عن كورونا مع الخائضين. “فإن الحكم على الشيئ فرع عن تصوره” (قاعدة أصولية مشهورة بين العلماء على اختلاف مذاهبهم)
  • ب‌.   لو أن الأسفار بين الويالات قد منعت قبل الآن قد لا أجد أمامي مسوغا لكتابة هذه السطور. 

[2]  تعنيف الحكّام وتبرير القرار في شأن مكافحة انتشار فيروس كورونا الفتاك

[3]  ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن ربّ العالمين، ج3، ص189

Tags: , ,